الذهبي
90
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
قال الحاجب أبو طالب : وبرز توقيع آخر منه إلى ابن يونس : « قد تكرر تقدّمنا إليك ممّا افترضه اللَّه علينا ، ويلزمنا القيام به ، كيف يهمل حال الناس حتّى تمّ عليهم ما قد بيّن في باطنها ، فتنصف الرجل ، وتقابل العامل إن لم يفلج بحجّة شرعية » . وقال القاضي ابن واصل [ ( 1 ) ] : كان الناصر شهما ، شجاعا ، ذا فكرة صائبة وعقل رصين ، ومكر ودهاء ، وكانت هيبته عظيمة جدّا ، وله أصحاب أخبار في العراق وسائر الأطراف ، يطالعونه بجزئيات الأمور [ ( 2 ) ] ، حتّى ذكر أنّ رجلا ببغداد عمل دعوة ، وغسّل يده قبل أضيافه ، فطالع صاحب الخبر الناصر بذلك . فكتب في جواب ذلك : « سوء أدب من صاحب الدّار ، وفضول من كاتب المطالعة » . قال [ ( 3 ) ] : وكان مع ذلك رديء السّيرة في الرعية ، مائلا إلى الظّلم والعسف ، فخربت في أيامه العراق ، وتفرّق أهلها في البلاد ، وأخذ أموالهم وأملاكهم ، وكان يفعل أفعالا متضادّة ، إلى أن قال [ ( 4 ) ] : وكان يتشيّع ، ويميل إلى مذهب الإمامية بخلاف آبائه ، إلى أن قال : وبلغني أنّ شخصا كان يرى صحّة خلافة يزيد ، فأحضره الخليفة ليعاقبه ، فقيل له : أتقول بصحّة خلافة يزيد ؟ فقال : أنا أقول : إن الإمام لا ينعزل بارتكاب الفسق ، فأعرض الناصر عنه ، وأمر بإطلاقه ، وخاف المحاققة . قال [ ( 5 ) ] : وسئل ابن الجوزيّ - والخليفة يسمع - : من أفضل الناس بعد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ؟ فقال : أفضلهم بعده من كانت ابنته تحته . وهذا جواب محتمل لأبي بكر وعليّ رضي اللَّه عنهما . وكتب إلى الناصر خادم له اسمه يمن ورقة فيها يعتب ، فوقع فيها : « بمن يمنّ يمن ، ثمن يمن ثمن » [ ( 6 ) ] .
--> [ ( 1 ) ] في « مفرج الكروب » : 4 / 163 بتصرف . [ ( 2 ) ] « وكلياتها » كما في « مفرج الكروب » . [ ( 3 ) ] في « مفرج الكروب » : 4 / 163 . [ ( 4 ) ] في « مفرج الكروب » : 4 / 166 . [ ( 5 ) ] في « مفرج الكروب » : 4 / 166 - 167 . [ ( 6 ) ] أثبت محقق مفرج الكروب العبارة : « بمن يمنّ يمن [ ؟ ] ثمن يمن ثمن ثمن » وقد بدا فيها الاضطراب ، وهي غير منقوطة في الأساس . ووردت مصحّحة في : الوافي بالوفيات 6 / 315 .